الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
67
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تقع كُلَّ في حيز النفي ، أي أو النهي فتفيد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض مما أضيفت إليه كُلَّ إن كانت كُلَّ مسندا إليها ، أو تفيد تعلق الفعل أو الوصف ببعض ما أضيفت إليه كُلَّ إن كانت معمولة للمنفيّ أو المنهيّ عنه ، وبين أن تقع كُلَّ في غير حيّز النفي ، وجعل رفع لفظ ( كلّه ) في قول أبي النجم : قد أصبحت أم الخيار تدّعي * عليّ ذنبا كلّه لم أصنع متعينا ، لأنه لو نصبه لأفاد تنصله من أن يكون صنع مجموع ما ادعته عليه من الذنوب ، فيصدق بأنه صنع بعض تلك الذنوب وهو لم يقصد ذلك كما صرح بإبطاله العلامة التفتازانيّ في « المطول » ، واستشهد للإبطال بقوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [ البقرة : 276 ] وقوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . وأجريت على المنهي عن الإطاعة بهذه الصفات الذميمة ، لأن أصحابها ليسوا أهلا لأن يطاعوا إذ لا ثقة بهم ولا يأمرون إلّا بسوء . قال جمع من المفسرين المراد بالحلّاف المهين : الوليد بن المغيرة ، وقال بعضهم : الأخنس بن شريق ، وقال آخرون : الأسود بن عبد يغوث ، ومن المفسرين من قال المراد : أبو جهل ، وإنما عنوا أن المراد التعريض بواحد من هؤلاء ، وإلّا فإن لفظ كُلَّ المفيد للعموم لا يسمح بأن يراد النهي عن واحد معين ، أما هؤلاء فلعل أربعتهم اشتركوا في معظم هذه الأوصاف فهم ممن أريد بالنهي عن إطاعته ومن كان على شاكلتهم من أمثالهم . وليس المراد من جمع هذه الخلال بل من كانت له واحدة منها ، والصفة الكبيرة منها هي التكذيب بالقرآن التي ختم بها قوله : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 15 ] ، لكن الذي قال في القرآن إنه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 15 ] هو الوليد بن المغيرة ، فهو الذي اختلق هذا البهتان في قصة معلومة ، فلما تلقف الآخرون منه هذا البهتان وأعجبوا به أخذوا يقولونه فكان جميعهم ممن يقوله ولذلك أسند اللّه إليهم هذا القول في آية وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الفرقان : 5 ] . وذكرت عشر خلال من مذامّهم التي تخلقوا بها : الأولى : حَلَّافٍ ، والحلاف : المكثر من الأيمان على وعوده وأخباره ، وأحسب أنه أريد به الكناية عن عدم المبالاة بالكذب وبالأيمان الفاجرة فجعلت صيغة المبالغة كناية